عبد الله بن أسعد اليافعي اليمني المكي
309
روض الرياحين في حكايات الصالحين ( نزهة العيون النواظر . . . )
لي حسبك ثم قام إلى راحلته فنحرها وقطعها بجلدها ، وقال أعنى على تفريقها ، ففرقناها على من أقبل وأدبر ، ثم عمد إلى سيفه وقوسه ، فكسرهما وجعلهما تحت الرمل وولى مدبرا نحو البادية وهو يقول ( وَفِي السَّماءِ رِزْقُكُمْ وَما تُوعَدُونَ ) فأقبلت على نفسي باللوم وقلت لم لم تنتبهى لما انتبه له هذا الأعرابي ، فلما حججت مع الرشيد دخلت مكة المشرفة ، فبينما أنا أطوف بالكعبة إذ هتف بي هاتف بصوت دقيق ، فالتفت فإذا أنا بالأعرابى نحيلا مصفرا ، فسلم على وأخذ بيدي فأجلسنى من وراء المقام وقال لي أتل على كلام الرحمن ، فأخذت في سورة الذاريات ؛ فلما انتهيت إلى قوله تعالى ( وَفِي السَّماءِ رِزْقُكُمْ وَما تُوعَدُونَ ) صاح الأعرابي أن قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقا ، ثم قال ، وهل غير هذا ؟ قلت نعم ، يقول اللّه عز وجل ( فَوَ رَبِّ السَّماءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ ما أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ ) فصاح الأعرابي صيحة وقال سبحان اللّه ، من أغضب الجليل حتى حلف ، ألم يصدقوه حتى ألجئوه إلى اليمين ، قالها ثلاثا ، فخرجت فيها نفسه ، رحمة اللّه تعالى عليه . ( الحكاية التاسعة والخمسون بعد الثلاث مئة عن عطاء الأزرق ) حكى أنه خرج عطاء الأزرق إلى الجبانة يصلى بالليل ، فعرض له لص ، فقال اللهم اكفنيه كيف شئت ، فيبست يداه ورجلاه ، فجعل يبكى ويصيح : واللّه لا أعود أبدا ، فأطلق فاتبعه وقال أسألك باللّه من أنت ؟ قال أنا عطاء ، فلما أصبح جعل يسأل : أتعرفون رجلا صالحا يخرج بالليل إلى الجبانة يصلى ؟ قالوا نعم عطاء السلمى ، فذهب إلى عطاء السلمى فدخل عليه وقال : إني جئتك تائبا من قضية كذا وكذا ، فادع اللّه لي ، فرفع عطاء يديه إلى السماء وجعل يبكى ويقول : ويحك ليس ذاك أنا إنما ذاك عطاء الأزرق رضي اللّه تعالى عنهما وعن جميع الصالحين ونفعنا بهم أجمعين آمين ، وروى أنه دخل الشيخ أبو الحسن النوري رضي اللّه تعالى عنه في الماء ليغتسل ، فجاء اللص وأخذ ثيابه ومشى ، ثم بعد ساعة رجع اللص بالثياب وقد يبست يده ، فلبس النوري ثيابه وقال : إلهي رددت على ثيابي فاردد عليه يده ، فعوفي ومشى من ساعته ، رضى اللّه تعالى عنه .